أبي ذر سبط ابن العجمي

64

كنوز الذهب في تاريخ حلب

ثم شاع بعشق الغلام في الرها خبره . فلما كبر وشارف الاحتلام أحب الرهبنة وخاطب أباه وأمه في ذلك . وألح عليهما حتى أجاباه ، وأخرجاه إلى دير نبواحي الرقة وهو في نهاية حسنه فابتاعا له قلاية « 1 » ودفعا إلى رئيس الدير جملة من المال عنها . فأقام الغلام فيها . وضاقت على سعد الوراق الدنيا بما رحبت وغلق دكانه وهجر إخوانه . ولزم الدير مع الغلام . وسعد في خلال ذلك يعمل فيه الأشعار . فأنكرت الرهبان إلمام سعد به . فنهوه عنه . وأحرموه أن يدخل قلايته . وتوعدوه بإخراجه من الدير إن أدخله إليه . فأجابهم إلى ما سألوه . فلما رأى سعد امتناعه منه شقّ عليه وخضع للرهبان ورفق بهم فلم يجيبوه وقالوا في هذا إثم وعار ونخاف السلطان . وكان إذا وافى الدير أغلقوا الباب في وجهه ، ومنعوه من دخوله . ولم يدعوا الغلام يكلمه . فاشتد وجده وزاد عشقه حتى صار إلى الجنون . فخرق ثيابه . وانصرف إلى داره . فضرب « 2 » جميع ما فيها بالنار . ولزم صحراء الدير وهو عريان يهيم . ويعمل الأشعار . قال أبو بكر الصنوبري ثم عبرت يوما أنا والمعوج الشامي من بستان بيتنا فيه فرأيناه جالسا في ظل الدير وهو عريان ، وقد طال شعره ، وتغيرت خلقته ، فسلمنا عليه وعذلناه وعنفناه .

--> ( 1 ) - قلاية : من العربية : القلّية عن السريانية عن اليونانية ، عن اللاتينية : gllea : الخلوة . واليونانية استعملتها بمعنى : حجرة الناسك وسكن الأسقف والصومعة . وفي معجم البلدان : « قلاية القس : بناء كالدير » ، ويدانيها في العربية : الكلة : الصومعة . وقد وقعت القلاية في الشعر العربي . ( موسوعة حلب : 6 / 236 ) . ( 2 ) - لعل من الصواب : فأضرم .